خبراؤنا الاقتصاديون النائحات
خبراؤنا الاقتصاديون النائحات
ماذا تعني أن تكون خبيرا في مجال من المجالات ؟ للإجابة عن هذا السؤال وجب أن نقول أوّلا أن أي مجال علمي عندما يبتعد الباحثون فيه عن الموضوعية (وهذه تستدعي قراءة الأمور و الأحداث على ما هي عليه دون تحريف للوقائع ودون تأويل ايديولوجي أو اتّباعا لهوى أو من أجل امتياز معيّن) فإن القراءة تكون خاطئة والنتائج تبعا لذلك. فالموضوعية هي أهمّ الأسس المطلوبة في البحث العلمي في المجالات كافّة. ومن هذه المجالات نجد المجال الاقتصادي. وعلى الرغم من اختلاف المدارس والمشارب في هذا الباب فتبقى القراءة الموضوعية للواقع والتجرّد في تفسير الحوادث وإعطاء الأجوبة للأسئلة الملحّة حول الوضع الاقتصادي أهمّ الأشياء المطلوبة لدى أيّ باحث يحترم قرّاءه والمستمعين له. ومن خالف هذا السلوك فتكون تحليلاته غير واقعية وتغلب عليها أهدافا مجافية للحقائق وتؤدّي بالضرورة الى نتائج خاطئة وإلى مغالطات علمية وتلاعب بالأرقام وتأويلات مربكة.
بعد هذه المقدمة نأتي لدراسة سلوك بعض الخبراء الذين ينتقيهم بدقّة عالية الإعلام المرئي والسّمعي في تونس حول الأوضاع الاقتصادية في بلدنا. هناك أربعة أو خمسة دعاة خبرة في المجال الاقتصادي (لا فائدة في ذكر الأسماء فهم أصبحوا معروفين لدى الجميع فليس ثمّة غيرهم يراهم الجمهور في إعلامنا المحايد جدّا) يقدّمون تحليلات للوضع الاقتصادي التّونسي من زاوية المناكفة للحكومة القائمة وليس من باب القراءة الموضوعية التي يستدعيها فهم الأوضاع المعقدّة والضاربة في القدم. فلا تمرّ مناسبة يظهر فيها خبراؤنا الاقتصاديون إلاّ ويبشروننا بخراب عاجل غير آجل وبفقر وسقوط في الهاوية التّي دفعتنا إليها حكومة الترويكا (لاحظوا أنّهم لا يذكرون سنة 2011 وما جرى فيها إلاّ نادرا عن عمد وعن غير سهو). ولتوضيح ما أقول لأضرب مثالا على ذلك (والأمثلة عديدة وكثيرة): في تحليل الخبراء الذين يقدّمهم الإعلام التّونسي (على فكرة كلّهم ينتمون إلى أحزاب سياسية مع الفارق أنه يغفل دائما ذكر انتماءاتهم الحزبية) لظاهرة التضخم المالي الحاصل في تونس نجد أنهم لا يتورّعون على استعمال الأوصاف المفزعة واستعمال التهويل والتخويف وذلك من خلال الألفاظ ومن خلال تقديم أرقام مكذوبة أو في أدنى الحالات غير منسوبة إلى جهة مّا. والمفارقة العجيبة أنّ هؤلاء الخبراء يستعملون القفز على الحبال فلا يختارون من الأرقام إلاّ الذي يطابق هواهم. فيقولون بأن نسبة التضخّم أكبر بكثير ممّا ينشره المعهد الوطني للإحصاء (الرّقم الرّسمي 6 بالمائة) ويعطون رقم 10 بالمائة (دون ذكر المصدر أو حتى كيفية احتساب مثل هذا الرقم) لأن ذلك يتساوق مع عامل البلبلة والتخويف الذي يمارسونه في تحليلاتهم . فعندما تسمع لهم في تشكيكهم في الأرقام الرسمية و تبنّيهم لأرقام دون مصدر أو جهة وراءها فاعلم أن التحاليل تصبّ في وادي واحد الا وهو وادي السّياسة. وعندئذ نجد أنفسنا أمام عملية شيطنة لمخالف سياسي ليس أكثر، ولسنا في أيّ حال من الأحوال في وارد التحليل الموضوعي للأشياء.
ومواصلة لتحليل مواقف خبراؤنا الكرام لظاهرة التضخّم المالي في تونس فلا يكاد أحدهم يذكر في تشخيصه الأسباب الحقيقية الكامنة وراء ها وهي عديدة ومتعدّدة وسابقة حتّى على الحكومة الحالية (كفرض الزيادة الكبيرة في الأجور والتّي وقع إقرارها في عهد حكومة الباجي قائد السّبسي وهي من الأسباب الكبيرة في عملية التضخّم). فلا تسمع منهم إلاّ تخطئة الحكومة الحالية دون الإتيان على الأسباب الحقيقية بل قل الموضوعية دون التعمية عليها ودون توجيه التّهم جزافا ، مع أنّي لا أبرّء الحكومة من أخطاء ارتكبتها.
في مقابل ما يتركه الخبراء جانبا من أرقام ينشرها المعهد الوطني للإحصاء لا تخدم تحليلاتهم ، نراهم يأخذون بأرقام أخرى يصدرها نفس المعهد مثل نسبة الدّيون. فكيف يكون المعهد الوطني صادقا كاذبا في نفس الوقت. ومن جهة أخرى فهم يقارنون دائما الأرقام الحالية بأرقام سنة 2010 (حكومة بن علي) وهذا يعني أنّ خبراءنا الكرام ليست لهم مشكلة في استعمال أرقام صادرة عن نفس المعهد والتي قد تكون مفبركة أو قد يكون وقع التلاعب بها في عهد بن علي ومع ذلك فهم اليوم يشكّكون في جزء من الأرقام التي ينشرها. فافهم إن استطعت الفهم.
ما أعيبه شخصيا على خبرائنا الكرام ، أنّه فضلا عمّا ذكرت لم يجرؤ أحد منهم أن يقدّم حلولا للمشاكل ولا حتّى النصيحة من باب الوطنية والغيرة على تونس. ليعلم هؤلاء أنّنا كلّنا في مركب واحد ،اسمه تونس، إذا غرق ـ لا قدّر الله ـ لن تستطيعوا لا أنتم ولا أحزابكم أن تنجّوه. فعليكم الاتّعاظ بخلق سيدّنا يوسف عليه السّلام ـ يستفتونه وهو المسجون فيقدّم الحلول دون اشتراط ودون خديعة ودون تلاعب على الرّغم من الظلم الذّي تعرّض له والاتّهام بالباطل و الكيد له.
لن أذكر العديد من الأمثلة الأخرى التي تدعّم ما ذهبت إليه ولكنّي أقول لهؤلاء الخبراء لا تكونوا كالنائحات ينتقلن من مأتم إلى آخر وينحن ، عرفن الميّت أم لم يعرفنه. إنّ الوطنية تستدعي تقديم النّصح الجدّي لتونس ولإخراج البلاد من الحالة التي هي فيها ، أخذ أهل الحكم بما تقولونه أم تركوه جانبا. أمّا إن كانت أحزابكم و ميولاتكم وايديولوجياتكم أفضل من تونس، فواصلوا فالتونسيون يبصرون ويراقبون ولن يصدّقوكم طول الوقت.
الدكتور معز العوني
سويسرا في 13 مارس 2013
Commenter cet article