كتب إلينا احد العاملين في مكتب الشيخ راشد الغنوشي هذه الرسالة المعبّرة
كتب إلينا احد العاملين في مكتب الشيخ راشد الغنوشي هذه الرسالة المعبّرة :
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل ان ألتحق بمكتب الشيخ راشد الغنوشي ، كانت لدي أسئلة كثيرة حول هذا الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس : كيف يعيش ..كيف يفكر ..كيف يقضي يومه ..كيف يقرأ ..وماذا يقرأ ..كيف يوفق بين منصبه وأسرته ..كم ساعة يقضيها في العمل .. وكيف ينظر إلى خصومه في الداخل والخارج الخ..
مع مرور الأيام اكتشفت أجوبة عن كثير من أسئلتي ويا لها من أجوبة :
لقد وجدتُ الرجل حريصا على صلاته لا يهمّه الماء البارد في اليوم البارد وكان دائما يدعونا إلى صلاة الجماعة ومن العجب انه كانت يَقْـنُت في الركعة الأخيرة من كل صلاة وليس له من دعاء إلا : اللهم انصر الإسلام وثورتنا وشعبنا وانصر المجاهدين في فلسطين وسورية على الظالمين .
لم أسمعه يوما يسب معارضي النهضة ولا من يسبّونه شخصيا في الصحافة والأنترنت والأحزاب وقد حاولنا شهورا طويلة أن نقنعه بأن يرفع قضايا ضد المتطاولين والمتفحّشين ولكنه كان يصمت عملا بقول الله عز وجل : وأعرض عن الجاهلين .
كان رجل حوار بامتياز ويؤمن بالتوفيق لا بالتفريق ويسعى كل جهده لكي يحافظ على تماسك الحركة وتضامنها ووحدة كلمتها ، ولا يأبه بحدّة كلام زيد أو عمرو مادام النقد بناء ويصب في مصلحة الجماعة .
كان كلما زاره صحفي سأله هل تصلّي ؟ فإن كان لا يُصلّي نصحه بحنان الأب المشفق أن يصلي لأن أول ما يُسأل عنه المرء هو الصلاة ، وكانت إذا جاءته صحفية غير متحجبة دعاها بلين ورفق إلى الحجاب لأنه ستر لها في الدنيا والآخرة .
أينما اتجه الرجل داخل تونس أو خارجها تسابق العارفون بعلمه وفضله على تقبيل رأسه لا نفاقا ولا تملقا ولكنهم عرفوا جهاده وقرؤوا كتبه فزاد حبهم له وتقديرهم لفكره وحكمته .
جاءه المنصب والكرسي بعد فوز النهضة في الانتخابات فعفّ عنه ولو كان طامعا فيه ، مثلما نرى بعضا من رموز المعارضة ،لعضّ عليه بالنواجذ ولكنه تركه لغيره زهدا فيه .
كنا أثناء العمل معه نتساءل لماذا لا يتغدّى فجاءنا الجواب بأنه يصوم أياما كثيرة في الأسبوع نافلة إلى الله .
كان همّه بالليل والنهار هو كيف تُجنَّبُ تونس الفتن و تُحمى من الحرب بين مواطنيها وكيف تُحصّن من التدخل الأجنبي ، فكان دائم اللقاء بكثير ممن يخالفونه الرأي فيشرح لهم موقع تونس في الخريطة وضعفها اقتصاديا و عسكريا وعدم قدرة البلاد على تحمل الإضرابات والاعتصامات واستحالة دخولها في أية مواجهة عسكرية ضد أي طرف لأن في ذلك نهاية للثورة وعودة لحكم الدكتاتورية .
نهجه السياسي هو أنه ما لا يمكن الحصول عليه اليوم لا يعني التفريط فيه إلى الأبد وما تم التنازل عنه خدمة لمصلحةٍ ما لا يعني انه لن يعود إلينا يوما ما ..وهذه هي السياسة فحيثما تكون المصلحة العليا للبلد تجد الغنوشي قد مال إليها ، وهو أمر صعب فهمُه على أصحاب العواطف الجيّاشة والمبتدئين في عالم السياسة ، وأذكر له موقفا عصيبا ليلة خروج المسيرة الضخمة المقررة ليوم السبت 8ديسمبر2012 عندما أعلنت وزارة الداخلية اكتشاف أسلحة واحتمال قيام بعض العصابات بتفجيرات ، فكان قرارُه أن تلغى المسيرة رغم معرفته بان أنصار النهضة وقواعدها وأوفياء الثورة سيغضبون منه ، ولكنه أخذ بالأحوط صونا للدماء ومنعا لانزلاق البلاد في العنف والعنف المضادّ .
عرفتُ الشيخ راشد كثير القراءة رغم مشاغل السياسة وكثرة الصحف ، ومن آخر الكتب التي كان يقرؤها كتاب مغربي عن أسهل المسالك فى مذهب الامام مالك ، فعجبتُ لهذا الرجل كيف يسترق الوقت رغم العواصف السياسية لكي يقرأ ما يستعين به على فهم الدنيا والدين وعجبتُ أكثر من الذين يسبّونه كيف لم يقرؤوا كتابا واحدا من كتبه ولم يقرؤوا مقالا من مقالاته وخاصة منها تلك التي كتبها قبل الثورة والتي بشّر فيها بالحرية وزوال حكم الدكتاتور و تحرر الإسلام في تونس من ظلم الطغاة والجبّارين .
عجبتُ لهذا الرجل كيف يرميه مراهقون سذّج بالحجارة بعد دقائق من إثنائه على تالة ورجالها وتاريخها المفعم بمقاومة البايات الذين فرضوا الجبايات المرهقة على الرعية ، ومقاومتها لبورقيبة وانحيازها للزعيم صالح بن يوسف ، واشتراكها في الثورة ضد بن علي وسقوط عدد من الشهداء فيها وتخريجها لشخصيات وطنية مثل أستاذه الشهيد أحمد الرحموني ..عجبتُ للغنوشي مرتفعا عن الأحقاد يُرمى بحجر فيلقي طيب الأثمار .
تحية احترام وإجلال لهذا الرجل الفاضل الذي سُجن وعُذّب وغُرّب وشُوّه وكُذب عليه ونقول له : نحن نحبّك في الله لا طمعا في منصب او مال أو جاه أو حظوة ، فلم يجمعنا بك سوى الأخوّة والحبّ في الله و ما تدعو به في صلاتك من حب للإسلام ودعاء بالنصر له وللثورة والوطن والتمكين لهذا الدين في مشارق الأرض ومغاربها .
قال الله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا
انشر
Commenter cet article