مقال الأستاذ قسومة قسومة عضو مجلس الشورى لحركة النهضة بموقع أخبار الساعة الإلكتروني : إغتيال بلعيد أو الإستثمار في الدم الساخن
مقال الأستاذ قسومة قسومة عضو مجلس الشورى لحركة النهضة بموقع أخبار الساعة الإلكتروني : إغتيال بلعيد أو الإستثمار في الدم الساخن
تعرف الساحة السياسية والاجتماعية بتونس منذ انتخابات 23 أكتوبر حالة من الاحتقان آخذة في التصاعد والاحتدام كنتيجة لما أفرزته الانتخابات من مشهد سياسي غير متوازن لم تتقبله الأطراف الأقلية كما تقتضي الأعراف الديمقراطية مما جعلها تدخل في حالة من التجاذب مع الأطراف الأغلبية وظفت فيه كل الأدوات المشروعة وغير المشروعة من إرباك عمل المجلس التأسيسي بالمقاطعة والغيابات وإضرابات الجوع إلى المسيرات المناوئة إلى تحريك الجهات وتوظيف المطالب المشروعة للفئات والجهات المحرومة ومحاولة جر الحكومة إلى مستنقع ردود الأفعال متوسلة في هذا بآلتين رهيبتين الإعلام و النقابة .
فكان الحلف واضحا وجليا: المعارضة بمختلف فصائلها مع إتحاد الشغل ورابطة حقوق الإنسان ,مهمتها الرئيسية العمل على أن تظل الحكومة دائمة اللهاث وراء إطفاء الحرائق السياسية والاجتماعية منعا لها من أن تنجز شيئا يحسب في رصيدها .
فمناسبة 23 أكتوبر عوض أن تكون مناسبة احتفال التونسيين بإنجازهم أول انتخابات نزيهة عبرت عن الإرادة الشعبية حولتها المعارضة إلى كابوس نهاية الشرعية بتعلة مرور سنة على عمل المجلس دون إنجاز دستور في حين أنه حتى بمنظار الحساب لم تمر يومها أكثر من عشرة أشهر على انتصاب المجلس. وكانت كل مناسبة توظف من أجل الإطاحة بالحكومة المحاصرة أصلا بتعطيل الإدارة الموروثة والمحافظة على ولائها للمنظومة القديمة والتي أدى ضعف أدائها ومقاربتها الإصلاحية في تحقيق أهداف الثورة إلى عودة رموز النظام القديم إلى الساحة السياسية والاجتماعية وتقاربت أهدافهم مع باقي المعارضة ما أفرز في الأخير جبهة نوفمبرية تضم التجمعين واليساريين ويسار الوسط ,عمل الإعلام على إبرازها وموقعتها على حساب الائتلاف الحاكم الذي جهد في تقزيمه وتهميشه والإساءة إليه بكل الوسائل ولم يبق خارج الحلف المناوئ للترويكا الحاكمة إلا أقصى اليسار المتجمع أخيرا في ” الجبهة الشعبية “.
أصبحت الترويكا المعارضة تمثل خطرا على الثورة كقوى تعمل على الالتفاف على أهداف الثورة ومنع محاسبة المفسدين بإرجاع التجمعيين وانتهازيي اليسار إلى الحكم خاصة لما يتلقونه من دعم مالي من رجال المال الفاسدين ودعم سياسي من قوى إقليمية ودولية لا تنظر إلى الثورة التونسية بعين الرضا وكذلك استنادها إلى الآلة التجمعية في حشد الأنصار من رؤساء شعب وعمد.
كل هذا اقتضى أن تتلافى القوى المناصرة للثورة الخطر المحدق بالثورة من أعدائها فمرت إلى تحريك ” مشروع قانون تحصين الثورة ” الذي قدمته النهضة بتحالف مع خمس كتل نيابية والذي مثل تطويرا لمشروع قانون عزل سياسي كان أعده حزب المؤتمر منذ شهر أفريل أي قبل تقنين حزب “نداء تونس ” ,فأثار عرض هذا المشروع ضجة في الساحة السياسية فانبرت عديد الأصوات تعبرعن رفضها للمشروع بما فيها قوى اليسار التي كان لا يعلو صوت على صوتها في ضرورة إبعاد التجمعيين ولكن البحث على توازن مع حركة النهضة المخالفة إيديولوجيا فرض على اليسار واليمين التضامن للدفاع عن نمط مجتمعي يجمعهم.
في هذه الساحة المضطربة المتلاطمة أمواجها كان شكري بلعيد أحد الأصوات الأكثر رفضا للإسلاميين من سلفية إلى نهضة بنبرة إقصائية تماما كرفضه المطلق لعودة التجمعيين ورفضه التحاق الجبهة الشعبية بترويكا المعارضة التي يقودها السبسي.
هذه الخصال رشحت بلعيد أن يكون من أكثر من يتعرض للانتقاد على الصفحات الاجتماعية ويتعرض للتهديدات ولكنه لم يعرها اهتماما حتى أنه رفض عرضا رئاسيا بتوفير حماية له وكان محقا في ذلك فطبيعة اختلاف التونسيين على اشتداد نبرتها لم تؤد ولن تؤدي يوما إلى تصفيات جسدية بسبب الاختلاف الفكري أوالسياسي. فما الذي حدث إذن؟
إن فشل جبهة الثورة المضادة خلال سنة من عمليات الهرسلة في الإطاحة بالحكومة وخاصة بعد فشل الإضراب العام ومحاولة الحكومة تجاوز وضعها المتردي بأخذ نفس جديد من خلال تحوير وزاري وصل إلى مرحلته الأخيرة وتمسكت فيه حركة النهضة بوزارات السيادة وطرحت فيه على شركائها خطاب تكليف يتضمن برنامجا أكثر جدية في محاسبة الفساد والمفسدين والسيطرة على غلاء الأسعار واختصار الإجراءات الإدارية والآماد حتى ترى بعض المشاريع النور في جهات محرومة ملت الانتظاروتحديد روزنامة للإنتخابات والتسريع في إعداد القوانين الممهدة لذلك كالقانون الانتخابي كل ذلك إضافة إلى الشروع في مناقشة مشروع قانون تحصين الثورة في اللجنة المعنية وبرمجته للتداول في جلسة عامة يوم 6 فيفري أشعل الضوء ألأحمر في “غرفة عمليات إجهاض ثورات الربيع العربي”, ألم يصرح السيد الباجي أن الحكومة ستسقط قبل أن يمرر هذا المشروع , فكان لا بد من المرور إلى السرعة القصوى وإحداث ضربة قاصمة للنهضة .
الشيخ العجوز يستعد منذ مدة لـ”إنقاذ البلاد” ويتلقى الدعم الإقليمي والدولي لذلك والضربة القاصمة تقع ضمن هذا الدعم .
قدرت “غرفة العمليات ” أنه لا شي يمكن أن يزحزح النهضة التي استطاعت أن تقاوم حملات خمس قنوات تلفزية وعشرات الإذاعات إلا عملية اغتيال – يستشنعها التونسيون بحكم طبيعتهم – تتوجه فيها إليها أصابع الاتهام , فكانت المؤامرة .
ليس أفضل من السيد شكري بلعيد في التقابل والتخاصم مع الإسلاميين كما قد يكون حجرعثرة في طريق التحاق ” الجبهة الشعبية ” بـ” النداء ” فقررت الدوائر الاستعمارية أن يكون – رغم افتقارها إلى أمثاله – قربانها لضرب خصمها التاريخي الحامل للهوية ولمشروع التواصل الحضاري.
ذبحوا الرجل وكان أول ندائهم سقوط الحكومة وحل المجلس التأسيسي. لم يطالب أحد منهم بإيقاف الجناة ولا تقديمهم للعدالة فالأمر ثانوي , المهم مطالبة محكمة ” الحريري” عفوا محكمة الجنايات الدولية بالتدخل ولا باس بتدخل ” أمنا الحنون ” لحماية أبنائها الديمقراطيين ( ألم يثبتوا ذلك خلال خمسين عاما من حكمهم ) من الرعاع ” les indigenes” كما صرحت ممثلة ” الوطد ” على قناة فرانس 24.
بدأ الجميع في الاستثمار السياسي للجريمة ودم الفقيد لا زال ساخنا كان الجميع يصرخ ما أكرمك وما أسخاك أيها الرفيق أن منحتنا دمك وروحك نمطيها حصان طروادة إلى حصون الظلاميين أعداء الحداثة وستظل قميص عثمان نبتز به من لا قبل لنا بهم ولا قدرة فإن أبوا فإن المسلسل الدموي طويل ألم تقل السيدة الوزيرة “سنمد بن علي بخبرتنا…”
قسومة قسومة
Commenter cet article