سليم شيبوب، مهدي جمعة وشركة ألستوم وملف رشاويها وفسادها في تونس
سليم شيبوب، مهدي جمعة وشركة ألستوم وملف رشاويها وفسادها في تونس
بقلم رضا العجيمي
كثر الحديث مؤخرا عن الضغوط الخارجية التي مورست على تونس من أجل “فرض” مهدي جمعة كرئيس للحكومة الانتقالية بالرغم من غياب توافق كل الأطراف المعنية بالحوار الوطني. يبقى لغز “إسقاط” مهدي جمعة مُحيرا لمتتبعي الشأن السياسي التونسي، فالرجل لم يأتي من بوابة الأحزاب السياسية التقليدية ولا من التي تم إنشاؤها بعد الثورة بل إنه لم يأتي حتى من البيئة الحقوقية التي احتضنت جل الطبقة السياسية التونسية، فعُمُره السياسي لم يتجاوز العشر أشهر بعد تنصيبه وزيرا للصناعة في حكومة علي العريض الأخيرة. لقد تم تنصيب مهدي جمعة عن طريق الضغط الذي مارسه الاتحاد الأوروبي على منظمات وأحزاب الحوار الوطني.
خلال المدّة التي قضّاها مهدي جمعة على رأس وزارة الصناعة برز ملف التعاقد مع الشركة الفرنسية ألستوم، والذي سُخّر له هذا المقال. ويطرح هذا الملف العديد من التساؤلات التي تستوجب إنارة الرأي العام حولها من طرف وزير الصناعة سابقا ورئيس حكومة التكنوقراط الحالية. وهو ما سنسعى لتوضيحه من جهتنا عبر العودة للمحاكمات المتعددة ضد شركة ألستوم من أجل الرشوة أولا وخفايا صفقة ألستوم في تونس ثانيا.
أولا: عودة إلى المحاكمات العديدة ضد شركة ألستوم من أجل اقترافها جرائم الرشوة:
تعود أطوار هذه القضية إلى أواخر التسعينات حين أسندت الشركة التونسية للكهرباء والغاز صفقة أشغال بناء مولدات كهربائية في رادس إلى شركة خاصة تعاقدت هي الأخرى بالمناولة مع شركة ألستوم، وهي من أكبر الشركات الفرنسية المتعددة الجنسيات والمختصة في مجال الطاقة الكهربائية وتوليدها، وتحديث السكك الحديدية وشبكاتها. وعلى إثر إخلال شركة ألستوم ببعض بنود الاتفاقية وتأخرها في القيام بالخدمات المتفق عليها تمت مطالبتها، حسب بنود الاتفاق، بدفع تعويض للشركة التونسية للكهرباء والغاز. إلا أن تدخل سليم شيبوب صهر الرئيس المخلوع، الذي تعاقدت معه شركة ألستوم عبر شركتين يمتلكهما من أجل القيام بخدمات استشارية لذات المشروع، عطل عملية دفع التعويض للشركة الوطنية، وتم التغاضي عن الإخلالات الفنية التي قامت بها شركة ألستوم مقابل حصوله على رشاوي. هذا إلى جانب الرشاوي التي تحصل عليها سليم شيبوب خلال عملية منح المشروع لألستوم. هذا ما يبرزه حكم بالإدانة من القضاء السويسري سنة 2011 ضد شركة ألستوم بسبب تورطها في الرشوة فيما يتعلق بتعاملات مشبوهة في إطار مشروع رادس ومشاريع أخرى في ماليزيا ولاتفيا. وقد تمت إدانتها أيضا سنة 2012 من قبل البنك الدولي و حظر التعامل معها بالإضافة إلى الشركات التابعة لها بعد ثبوت تورطها، واعترافها بدفع رشاوي غير مشروعة قدرها 110 آلاف يورو إلى جهة يسيطر عليها شخص كان في السابق مسؤولا حكوميا كبيرا مقابل خدمات استشارية بشأن مشروع يموله البنك الدولي لإعادة تأهيل محطات الطاقة الكهربائية في زامبيا” في عام 2002. الشركة أدينت أيضا في قضايا الرشوة والفساد من القضاء الأمريكي سنة 2013 بسبب رشوة منحها مسؤولوها إلى مسؤولين حكوميين في إندونيسيا من الأجل الفوز بصفقات في البلد. شركة ألستوم مورّطة في البرازيل بسبب الرشاوي المقدرة بـ45 مليون دولار أمريكي التي منحتها لمسؤولين برازيليين من أجل الحصول على صفقة إنجاز مشروع المترو بمدينة ساو باولو.
ثانيا: خفايا صفقة ألستوم وتساؤلات حول دور مهدي جمعة: هل هو مجرد تراخي مُبرّر؟
كلنا نعلم عمق العلاقات الاقتصادية بين تونس وفرنسا، كما نعلم أيضا مركزية موقع شركة ألستوم في خارطة الصفقات الفرنسية الكبرى في تونس في مجالي الطاقة والسكك الحديدية. نستعرض في مرحلة أولى خفايا ملف ألستوم فيما يخص مناقصة الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وفي مرحلة ثانية موضوع اتفاقية الشراكة بين وزير الصناعة مهدي جمعة وشركة ألستوم.
1- مناقصة الشركة التونسية للكهرباء والغاز:
في أواخر سنة 2012 أعلنت الشركة التونسية للكهرباء والغاز عن مناقصة دولية مفتوحة للشركات المحلية والعالمية من أجل إنجاز “محطات تحويل مصفحة جهد عالي” بسوسة. وعلى إثر لجنة ﻓﺘﺢ الأظرف التي انعقدت يوم 16 جانفي 2013 اقترحت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إسناد الصفقة إلى شركة ألستوم الفرنسية باعتبارها العارض الأقل ثمنا حيث أتت في المرتبة الأولى بعرض يبلغ 32.667.600 دينار، مقابل عرض الشركة الألمانية أ.ب.ب التي أتت في المرتبة الثانية بعرض قدره 35.804.989 دينار، وتليها شركة سيمنز في المرتبة الثالثة بعرض يبلغ 36.715.750 دينار. الأمر يبدو طبيعيا لو لم تكن الشركة المقترحة غير مُدانة في قضايا رشوة مع صهر الرئيس بن علي تمت إدانتها في العديد من الدول بسبب فساد سياستها واتباعها سياسة رشوة النافذين. الأغرب في هذا الاقتراح أن شركة ألستوم لم تسدد التعويضات المالية للشركة التونسية للكهرباء والغاز في القضية المرفوعة ضدها والمذكورة سلفا إلى يومنا هذا لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز نفسها. الأمر يزداد غرابة حسب عدد من الوثائق السرية المتعلقة بقضية المناقصة التي سنسردها كالآتي:
بعد مراسلة من سفارة تونس بفرنسا، أعلم البنك المركزي التونسي باسم محافطه مصطفى كمال النابلي في مذكرة أرسلها يوم 5 أفريل 2012 بالحكم الذي أصدره القضاء السويسري ضد شركة ألستوم وإدانتها بسبب ثبوت إعطائها رشاوي لمسؤولين في ثلاث دول من بينها رشوة سليم شيبوب في تونس. في نفس اليوم قامت وزارة الحوكمة ومقاومة الفساد بإعلان (مراسلة عدد 010/1882) اللجنة العليا للصفقات بفحوى هذه الإدانة مع الدعوة لاتخاذ التدابير اللازمة لوقف التعامل مع هذه الشركة. وفي مكتوب من المرصد الوطني للصفقات العمومية (عدد 10/56) بتاريخ 9 جانفي 2013 الموجه إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز تمت الدعوة مجددا إلى عدم إبرام صفقة إنجاز “محطات تحويل مصفحة جهد عالي” بسوسة مع شركة ألستوم. وحسب البعض من مساندي عملية إبرام الصفقة مع شركة ألستوم، والتي عطلت إقصاء الشركة من المناقصة مع الشركة التونسية للكهرباء والغاز، تكمن حسب زعمهم في الفرق بين الشركة الأم وفروعها التي تحمل أسماء مختلفة، إذ يعتبر هؤلاء أن معاقبة شركة ألستوم التي تقدمت بعرضها للمناقصة المذكورة عمل غير قانوني. على إثر هذا التحاجج تمت استشارة قانونية مع وزارة العدل طالبت على إثرها الوزارة بتفادي التعامل مع شركة ألستوم، إلا أن لجنة الصفقات تبدو لأسباب مريبة مترددة بشأن اتخاذ قرار صارم بخصوص حرمان شركة ألستوم من هذه الصفقة. ويبدو أن كل هذه المراسلات والمذكرات لم تُقنع المعنيين بالأمر بإقصاء شركة ألستوم من هذه المناقصة، خاصة و أن شركة أ.ب.ب الألمانية وافقت بتخفيض عرضها لمستوى عرض الشركة الفرنسية و تعهدت أيضا بمنح هبة في حال فوزها بالمناقصة ذات الصلة. في الأثناء تصاعدت وتيرة التدخلات الفرنسية والزيارات الرسمية من الجانب الفرنسي. فلا تكاد تمر زيارة رسمية للرئيس الفرنسي أو لوزرائه ومستشاريه لتونس دون مرافقة مسؤولين من شركة ألستوم الذين زاروا حتى قصر قرطاج في شهر ماي 2012 لمقابلة الرئيس المرزوقي من أجل دعم مصالح الشركة في سوق تونس بعد الثورة. في الأثناء راسل سفير ألمانيا يانس بلوتنر يوم 10 جويلية 2013 رسميا رئيس الحكومة أنداك علي العريض ليُبلغه تذمر الشركة الألمانية أ.ب.ب من غياب الشفافية في الإجراءات الخاصة بمنح الصفقات العمومية المتعلقة بالمناقصة المذكورة.
2- صفقة ألستوم التي لم تتم بعد
أغلب حيثيات هذا القضية وقعت بُعيد تولي السيد مهدي جمعة وزارة الصناعة في شهر مارس من 2013، فما علاقته بملف شركة ألستوم ومستقبل المعاملات معها؟ العلاقة نجدها في التسريب الذي نقدمه بين يدي القارئ هنا والذي لن ننشر منه الآن إلا ثلاث صفحات، وهي الأولى والثانية والأخيرة. الوثيقة المسربة كاملة هي الاتفاقية بين الدولة التونسية ممثلة في شخص وزير الصناعة السيد مهدي جمعة من جهة وشركة ألستوم من جهة أخرى، وقد كان من المفروض توقيعها خلال زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند لتونس في 4 جويلية 2013 إذ كانت ستُهدي بمقتضاها تونس شركة ألستوم تسهيلات تفضيلية وأسواق ضخمة طويلة الأمد في مجالي الطاقة وصيانة السكك الحديدية. وحسب المصادر المطلعة على تفاصيل هذا الملف من الجانبين الفرنسي والتونسي يبدو أن مقاومة شرسة داخل قصر الحكومة بالقصبة وبعض الوزارات والإدارات التابعة كانت سببا في عرقلة عملية التوقيع، بالرغم من توقيع تونس حينها على ما يزيد عن 20 اتفاقية. فقد تم إعلام رئيس الحكومة علي العريض في 2 جويلية 2013، أي يومين قبل وصول الرئيس فرانسوا هولاند لتونس، بهذه القضية وتم مده بملف كامل حولها. وكانت النتيجة أن عطل توقيع هذه الاتفاقية لما تمثله من إحراج شديد له ولحكومته وتوريطهم فيما يراه الكثيرون خيانة للمسار الثوري، خاصة مع وجود 6 أو 7 قضايا أخرى ضد سليم شيبوب على علاقة بشركة ألستوم.
الخلاصة
أثبتت شركة ألستوم مرارا وتكرارا أنها مستعدة لرشوة كل من يقبل الرشوة (وأن لكل مسؤول ثمنه حسب موقع نفوذه !)، وليس مقبولا ولا معقولا إذا أن تمنح تونس بعد الثورة مثل هذه المكافآت إلى شركة رائدة في مجال الفساد ورشوة النافذين أولا وما زالت ترفض تعويض الخسائر لتي سببتها لشركة وطنية مثل الشركة التونسية للكهرباء والغاز ثانيا. لا يمكننا أن نكون في ذات الوقت ضد الفساد ومع التعاقد مع شركة جعلت من الفساد وسيلة استراتيجية لكسب الأسواق، وبالتالي لإفساد النافذين من ساسة وصناع قرار في مرحلة حساسة من تاريخ تونس وفي خضم مسار انتقالي نريده شفافا، ومن حق الرأي العام أن يطلع على موقف مهدي جمعة وأن يفهم دوره في ملف شركة ألستوم الحساس قبل وبعد توليه منصب رئاسة الحكومة الحالية.
https://www.facebook.com/infostunisia2
Commenter cet article